التصنيف: سلاسل وآراء

  • من قتل السفير؟ الحلقة الرابعة

    من قتل السفير؟ الحلقة الرابعة

    -شامة؟؟..تتذكرين أول يوم التقينا فيه..؟

    -وكيف لي أن أنسى..؟

    -اتصلت بك قبلها لكنك لم تردي..

    -لم أعرف الرقم..

    -كان رقما إسرائيليا..

    -وماذا بعد؟ أنا قطعت علاقتي مع إسرائيل منذ سنة 2017.. بالضبط شهر مارس، نشرت إحدى الصحف التي تدعي علاقتها بالاستخبارات وتحمل إسم أنتلجنسيا خبرا صغيرا جاء فيه “شامة درشول الجسر الجديد للقوة الناعمة بين المغرب وإسرائيل”، شعرت أن هناك من هو متضايق من تواجدي على أرض اعتاد الاشتغال فيها دون أن يزعجه أحد، لم أكن أعرف وقتها من يكون هذا ال”مولاي أحمد”، سمعت به يوم تفجرت فضيحة كريس كولمان، وحين كنت في رحلة العودة الأولى من إسرائيل إلى المغرب عن طريق باريس في نوفمبر 2016 كان هو في نفس الطائرة، لم أتعرف عليه، أحد أصدقائي في الوفد الذي قدته نحو إسرائيل هو من قال لي إن “مولاي أحمد” هنا، أجبته:”شكون هاد مولاي أحمد؟”، رد علي: ”من تزاحمينه الآن في سوق إسرائيل”.

    ما كتب في صحيفة الأنتلجنسيا لم يعجبني، لأن من تحاور معي وقتها راسلني عبر حسابي على تويتر.. ادعى أنه صحفية فرنسية، وطرح علي عددا من الأسئلة، كنت حذرة في الرد، وحين نشر الخبر عني نشره كما يريد هو أن يكون، وليس ما قلته له.. كان هناك من يحاول حرقي باكرا، لم يكن يعرف أني قررت من تلقاء نفسي قطع علاقتي بوزارة الخارجية الإسرائيلية.. ومع إسرائيل كافة.. لم أعد أريد الاشتغال مع حسن كعبية.. المسؤول الإعلامي في وزارة الخارجية الإسرائيلي.. يعتقد نفسه ذكيا.. وأراه صهيونيا أكثر من الصهاينة اليهود رغم أنه بدوي، ومسلم، ويصلي.. رأيته بأم عيني يصلي، ويؤدي الصلاة في ميقاتها.. لكنه لا يفي بالوعد، وأنا لا أتعامل نهائيا مع شخص لا يفي بوعده مهما كانت ديانته..

    -لكنك بقيت على علاقة مع جاكي؟

    -بل جاكي من بقي على علاقة بي.. جاكي كان يحتاجني في تقاريره على إذاعة الجيش، ومقالاته في صحيفة معاريف.. كان مهتما بالمغرب والإمارات.. وكنت وقتها مستشارة خاصة لإحدى المؤسسات الحكومية في أبوظبي…

    -مستشارة خاصة.. كم أكره هذه الكلمة.. أنت سبب كل مشاكلي.. في الأخير سأكتشف أنك أنت من قتلني.. لا أفهم كيف لا زلت أثق فيك وأتبعك..

    -قد تكون غاضبا مني مثلما الإماراتيون غاضبون مني.. لكن مهلا.. أولا أنا كنت مع أبوظبي مكلفة بوضع الاستيراتيجيات، وليس فقط مستشارة خاصة مثلما كنت معك، ثانيا، لماذا تتوقعون من المواطن المغربي أن يكون مواليا لكم في إسرائيل، وللإماراتيين، أكثر من ولائه لوطنه الأم؟ لماذا لا تفهمون أنه أن أشتغل معك ليس معناه أن أكون ضد وطني الأم؟

    -لأن هذه هي الفئة التي نشتغل معها…

    -لكن هل هذه الفئة استطاعت حمايتك حين قررت تدميرك؟

    -لحظة.. أنت قلتها بنفسك.. قررت تدميري.. يعني أنت القاتلة…

    -ديفيد… لا تكن حساسا لهذه الدرجة.. نحن الآن نحاول أن نجد من أطلق الإشارة بقتلك.. وليس من قتلك.. أخبرتك أن قتلتك متعددون وأنت واحد منهم.. ما يهمنا هو الزمن الذي قتلت فيه.. وليس على يد من.. لماذا لا تفهم أننا نكتب الآن للتاريخ، وليس لك.. بالمناسبة… سجل عندك.. غرورك واحد من الأدوات التي قتلت بها..

    -تقصدين أن جاكي ليس مغرورا؟

    -نعم جاكي ليس مغرورا، وهو مستمع جيد.. لذلك كلما احتاج أن يفهم شيئا عن المغرب، أو الإمارات، كان يتصل بي ويسألني، كان ولا يزال يقول لي إن لدي نظرة مختلفة عن المألوف، وأني لا أجامل أحدا..

    -أعرف هذا.. أنت شخص لا يجامل إطلاقا.. لدرجة تجعلك تبدين ثقيلة الظل.. صراحتك بغيضة.. وكلماتك قاسية.. عانيت منك كثيرا.. طوال الشهور الثلاثة التي كنت فيها مستشارتي.. كنت أبغضك.. لكن كان علي أن أتحملك.. وأتبع كل كلمة تقولينها بالحرف.. كان علي أن أصبر.. لقد لاحظت بأم عيني كيف اختصر علي الفيديو الذي أنتجته لي سنوات من العمل، بفيديو واحد كسبت التصفيق في وزارة الخارجية الإسرائيلية، والغيرة من زملائي، والتقدير من السفراء الأجانب في الرباط.. لثلاثة أشهر كاملة لم يهاجمني أحد في الصحافة.. نعم.. يرجع كل الفضل لك.. لكنك أنت امرأة لا تطاق.. كنت أشعر أني مع ضابطة، تؤدي مهمة عسكرية.. وليس دبلوماسيا أتى إلى بلد سهل.. بلد لليهود فيه نفوذ.. وللإسرائيليين فيه علاقات… صحيح أنك منحتني الشهرة، والاحترام، لكنك حرمتني ثقتي بنفسي.. تصرخين في وجهي.. ترفضين الرد على اتصالاتي.. تتجاهلين رسائلي.. من أنت لتفعلي بي كل هذا؟! أنا إسرائيلي.. أنا دبلوماسي.. أنا يهودي.. أنا من أصول أوروبية.. أنا سفير ابن سفير.. ومع ذلك كنت أخاف منك.. أتذكرين حين أخبرتك أني أخاف منك؟

    – أتذكر جيدا.. كان اليوم الأخير في الثلاثة أشهر من اتفاقنا..

    -نظرت إلي.. وابتسمت.. ابتسامة لئيمة وكأنك تتلذذين بتعذيبي.. لم تقولي شيئا، اكتفيت بابتسامة باردة.. وتقولين عني مغرور.. وأنت؟ ماذا أنت؟ أنت الغرور نفسه.. امرأة مغرورة، لم تعرني يوما الاهتمام الذي أستحقه.. لماذا تختلفين عن النساء اللواتي كن يوزعن الابتسامات علي؟ لماذا لم تتوددي إلي مثلهن؟ لماذا لم تقولي لي كلمة إعجاب واحدة في حقي؟

    -وهل أكذب؟

    اكذبي.. ماذا سيضيرك لو كذبت؟ لو قلت إنك معجبة بي؟ لو قلت إني رجل رائع.. لو قلت إني وسيم… ربما كنت سأظل حيا.. ربما لم يتجرأ أحد على قتلي..

    -وربما لم ينتزع المغرب اعتراف إسرائيل بمغربية الصحراء؟ أكمل.. قلها.. لماذا سكت؟

    صمت مطبق… مرت دقائق.. الجثة بدأت تتحرك.. يفتح فمه.. وأسمعه يقول:

    -شامة؟

    -نعم؟

    -قلت لي إن في حكايتك مع جاكي هناك قصة قصيرة وقصة طويلة، حكيت القصة القصيرة، كيف اتفقتما على أن يكون السفير الإسرائيلي ليس مغربيا، ويكون اشكنازيا.. لكن ما هي القصة الطويلة؟

    -أووووووف… هذه قصة طويلة فعلا… لكن سأحكيها لك في بضعة أسطر.. سأحاول..

    أتذكر في أبريل 2020.. في أوج الحجر الصحي في زمن كورونا.. علق سياح إسرائيليون كانوا يزورون المغرب.. منعوا من المغادرة مثلهم مثل العديد من الأجانب إلى حين أن تهيئ الدولة لشروط العودة.. دولتكم إسرائيل رفضت أن تعيدهم على حسابها، طلب منهم أن يدفعوا بأنفسهم ثمن تذاكرهم، لكن المغرب رفض أن تنزل طيارة العال الإسرائيلية على أرض المغرب، كانت هذه فرصتكم لكي تفرضوا على المغرب التسريع في عملية التطبيع، كان المغرب لا يزال يفكر، لكن الإمارات كانت تضغط، كانت تريد من المغرب أن يطبع في أسرع وقت، حملت أبوظبي ثأرها من المغرب في قلبها، أرادت أن تظهر لأمريكا، ولكم، أنهم لا يملكون المليون إسرائيلي من أصل مغربي، ولا إمارة المؤمنين التي بها حمى المغرب اليهود من نازية هتلر، ولا حضور اليهود في المغرب لأزيد من ثلاثة ألاف سنة، ومع ذلك أبوظبي من ستجر المغرب إلى التطبيع مع إسرائيل، كانت الإمارات تراهن على تطبيع المغرب مع إسرائيل لتظهر لأمريكا أنها تستحق أن تكون الزعيمة على المنطقة العربية، اعتقدت أن سحب بساط الوساطة الفلسطينية الإسرائيلية من تحت مصر، وفرض التطبيع الإسرائيلي على المغرب، سيرفع أسهمها أمام “الرب” الأمريكي بالمقارنة مع الحليف القطري.

    اقترحت الإمارات على إسرائيل أن تطلب من المغرب أن يسمح بأن يستقل الإسرائيليون العالقون إحدى الطائرات الإماراتية التي حطت على أرض المغرب لتقل مواطنيها إلى أبوظبي، لم ترد الإمارات أن تظهر في الواجهة، اعتادت أن تلعب بقذارة خلف الكواليس.. ولأنها محدودة الإبداع، استعملت نفس أدوات الضغط.. الذباب الإلكتروني..

    في ذاك اليوم، أطلقت أبوظبي ذبابها الإلكتروني على تويتر ليهاجم سعد الدين العثماني الذي كان وقتها رئيسا للحكومة…

    -العثماني؟ هذا من قتلني.. بسبب تغريدتي ضده بدأت مشاكلي…

    -بل بسبب غبائك بدأت المشاكل.. وبسبب ثرثرتك سأعيدك إلى قبرك وأقفل عليك كما يقفل على كل الجثث…

    صمت مطبق…

    -أوووف… يا لك من جثة مزعجة.. ألا تريد أن تفهم أن العالم لا يدور حولك وأننا هنا نكتب التاريخ للتاريخ؟

    -أنا آسف.. واصلي..

    -في ذاك اليوم، انتبهت إلى أن التغريدات ليست عادية، وبحكم اشتغالي لسنة كاملة مستشارة استيراتيجية لأبوظبي فبطبيعة الحال كنت مطلعة على أدوات اشتغالهم، وكنت أعرف أن من بينها نشر الأخبار الزائفة، واستعمال تويتر، وتوظيف الذباب الإلكتروني…

    -ولماذا حين طلبت مشورتك هل أفتح حسابا على فيسبوك أم على تويتر قلت لي أن تويتر أفضل؟

    -أولا اتصلت بي على الواحدة صباحا وهذا سلوك سخيف..

    – آسف.. لكني فقط كنت أريد أن أعرف إذا أنت مرتبطة عاطفيا..

    -وتغضب حين أصفك بسفير التحرش؟

    -حسنا.. حسنا..

    -ثانيا.. تذكر أني قلت لك وقتها.. طبعا بعد أن أخبرتك أني في العادة لا أرد على الاتصالات بعد الثامنة مساء.. قلت لك إنك ان فتحت حسابا على فيسبوك سوف تهاجم بشدة، وأن الهجوم عليك على تويتر سيكون أقل حدة، وأن الدبلوماسيين والسياسيين والرؤساء وغيرهم موجودون على تويتر.. أنا لم أخدعك يوما، أنت من كنت تعتقد أنك تحاول خداعنا دولة وشعبا.. بل إنك أردت تقليد دونالد ترامب في توظيفه لتويتر، ولم تتعلم أن تويتر من جعل ترامب رئيسا، وأن تويتر من أسقط ترامب من الرئاسة…

    عموما.. من الأفضل أن تتوقف عن مقاطعتي.. فكلما فعلت تذكرت أشياء تسيء لك..

    -حسنا.. حسنا.. أنا آسف.. أنا آسف.. واصلي من فضلك..

    -لحظتها، حين استشعرت وقوف أبوظبي وراء الحملة ضد العثماني وضد الادعاء بأن المغرب يعيش موجة جوع في ظروف كورونا، بعثت برسالة على واتساب إلى أحد معارفي، فأخبرني أن الإمارات تحاول أن تخرج بطريقة سرية السياح الإسرائيليين، وأن المغرب أوقف العملية، وأن أبوظبي تحاول الانتقام من المغرب عن طريق تويتر…

    -أتعرف ماذا فعلت وقتها؟

    -اتصلت بجاكي.. طبعا..

    -نعم.. هذا ما فعلته.. بعثت له رسالة صوتية على واتساب.. كانت رسالة غاضبة.. قلت له: ”ماذا تعتقدون أنكم فاعلون؟ هل جننتم لدرجة الاعتقاد أنه يمكنكم تعويض المغرب بالإمارات؟ هل صدقتم أكاذيب الإمارات بأن المغرب يدار من أبوظبي؟ أنتم لا تعرفون المخزن المغربي.. أنتم لا تعرفون شيئا عن المغرب.. اليهود المغاربة قد يخبروكم عن المحيط الملكي.. لكن لا أحد سيخبركم عن المجتمع المغربي إلا مغربي.. ما تفعلونه سينقلب ضدكم..

    سمع جاكي رسالتي واتصل بي لحظتها، وقال لي: ”أنا اريد أن أنشر عن الطائرة الإماراتية والسياح العالقين، لكن لدينا أوامر بعدم نشر أي شيء عن المغرب وإغضابه، طلبوا منا أن نلتزم الصمت إلى حين الحصول على موافقة المغرب بإخراج السياح العالقين”.

    لكنه عاد مساء واتصل بي وقال لي: ”من فضلك.. أعيدي علي كل التفاصيل، سأنشر هذا على الإذاعة غدا صباحا…”

    -نعم.. أتذكر جيدا هذا اليوم.. كنت أتابع الأخبار من منزلي في أورشليم.. تناقلت وسائل الإعلام في العالم الخبر.. الكل بات يتحدث عن الطائرة الإماراتية والسياح الإسرائيليين وعن كيف منع المغرب الإمارات وإسرائيل من اللعب على أرضه وخلف ظهره، بدا المغرب بلدا قويا لا ينحني في سبيل أمنه، وأمن شعبه، لأحد… لم أكن أعرف أنك أنت من كان وراء كل هذا.. لكن جاكي قال يومها إنه لن ينسى كل الضجة التي أحدثها هذا الخبر..

    -نعم… كانت ضجة دامت لحوالي أسبوع.. بعث لي جاكي ليلتها رسالة صوتية، أدمعت عيني وأنا أنصت لها.. قال لي: ”على بلدك أن يمنحك جائزة.. ما فعلته لا يفعله إلا مواطن يحب بلده.. لهذا أنا أحبك شامة.. وأحترمك.. وأثق فيك..”.

    – وحصلت على الجائزة؟ حصلت على الاعتراف؟

    -نعم… حصلت على الجائزة… في الفاتح من سبتبمر 2020 استيقظت على مقال تشهيري ضدي وضد عائلتي وضد شركتي نشر على موقع يدعى كود، يسمي نفسه موقعا صحافيا، بعض المعلومات الصحيحة فيه سربها مدير موقع هسبريس الذي كانت علاقته بي جيدة قبل أن ينقلب ضدي مباشرة بعد توقيعه لصفقة بيع موقع هسبريس المغربي للإماراتيين، وتحول الموقع إلى هسبريس الإماراتية مقابل خمسة ملايين دولار، ومع الوقت اكتشفت أن “مولاي أحمد” وعصابته، كانوا بدورهم متورطين في الحملة التشهيرية ضدي..

    – مولاي أحمد؟ نعم أذكره.. هذا الذي قلت لك في أول يوم التقينا فيه أنه “رجل الإمارات في إسرائيل”..

    -نعم.. هو..

    – لحظتها أجبت بنبرة ساخرة: ”هو أيضا رجل إسرائيل والإمارات في المغرب”.

    يتبع…

  • “مملكة التناقضات.. المغرب في مائة سؤال”: متى نشأ المغرب؟ (الحلقة 2)

    “مملكة التناقضات.. المغرب في مائة سؤال”: متى نشأ المغرب؟ (الحلقة 2)

    تستمر “دايلي بريس المغرب”، في نشر سلسلة جديدة، هي عبارة عن ترجمة حصرية لكتاب “مملكة التناقضات.. المغرب في مئة سؤال”* الذي قام بتأليفه المؤرخ الفرنسي الشهير بيير فيرمورين، قامت بترجمته جريدة “العمق المغربي” ونشرته على موقعها الإلكتروني على حلقات. ونحن إذ نعيد نشره على صفحات “دايلي بريس المغرب”، بعد استئذان إدارة نشر جريدة “العمق” وحصولنا على موافقتها الشفاهية لإعادة النشر، فلأهمية الكتاب ورغبتنا في المساهمة في انتشار مضمونه وفحواه. ولمن يرغب في قراءة السلسلة من مصدرها فسيجد أسفل كل مقال رابط المقال الأصلي بالضغط على جملة: “ترجمة العمق المغربي”.

    الحلقة الثانية
    الفصل الأول: متى نشأ المغرب؟

    “المغرب” هو دولة قومية شابة أنشئت في عام 1956 وهو في نفس الوقت مملكة إسلامية قديمة. عندما وقعت فرنسا معاهدة الحماية مع سلطان فاس في عام 1912، كانت تدرك أنها تخاطب كيانا سياسيا يشار إليه عادة باسم “الإمبراطورية الشريفة” أو “سلطنة فاس” لأن اسم “Maroc”، الذي أثبت نفسه في وقت متأخر باللغة الفرنسية، يأتي من الإسبانية.

    هذه المنطقة هي التي تسمى “المغرب”. بالنسبة لعرب شبه الجزيرة العربية، فإن “المغرب” هو “الغرب” – البلد الذي تغرب فيه الشمس – وهو أرض ضخمة تمتد من ليبيا إلى المحيط الأطلسي. لوصف المغرب الحالي على وجه التحديد، صاغ الجغرافيون في القرن الثامن عشر مصطلح “المغرب الأقصى”، أي هذا المغرب الغربي الذي توجد فيه المملكة الإسلامية القديمة التي أصبحت هي “المغرب”.

    المتحدثون باللغة العربية يشيرون إليها الآن باسم المملكة المغربية، في حين أن ما نسميه بالفرنسية “Maghreb” يطلق عليه باللغة العربية اسم “المغرب الكبير” (أو “المغرب العربي”، الذي يزعج أنصار الانتماء الأمازيغي). في أوروبا القديمة، كان يشار إلى هذه المنطقة بالتناوب باسم “مملكة المغاربة”، “موريتانيا”، “مملكة فاس (أو مراكش)، أو”الدولة الأمازيغية”.

    تعود أصوله الإسلامية إلى إنشاء إمارة في عام 788، عند سفح الأطلس الأوسط، من طرف إدريس الأول، وهو أحد أفراد الأسرة العلوية التي تنحدر من علي بن أبي طالب، الخليفة الرابع للإسلام وصهر النبي محمد. وقد حرص العباسيون على ملاحقة أفراد هذه الأسرة ومنهم إدريس وحاولوا تصفيتهم، فوجد إدريس ملاذاً في بلدة وليلي عند سفح جبال الأطلس، عند قبيلة أمازيغية تدعى أوربة فأطلق دعوته بين أفرادها وحشدهم لأفكاره وقد اعتنقت هذه القبيلة الإسلام في ظروف مجهولة.

    وبعد أن اكتسب ثقة القبائل المجاورة، أسس إدريس مدينة فاس، التي ستصبح عاصمة تاريخية لمملكة جديدة في الغرب الإسلامي. ومن المغري أن نتتبع الخيط الناظم التاريخي لهذا الجنين الإمبراطوري انطلاقا من نظرة عقائدية وروحية: الرواية تحكي أن المغرب المستقبلي ولد في عام 788 في وليلي في لحظة تأسيس الإمارة، أو في عام 807 عند تأسيس إمارة فاس، وأن تعاقب السلالات الحاكمة هو ما سيصنع تاريخ هذا المغرب الذي وُلد عربياً ومسلماً، على صورة مؤسسه القادم من بيت الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، وهي رواية تشبه قليلا تاريخ فرنسا، التي أصبحت مملكة مسيحية ابتداءً من معمودية كلوفيس، في 25 ديسمبر سنة 496، لا تتردد الملكية الفرنسية والملكية المغربية في تكريس هذه الرواية المقدسة، باستثناء أنها لا زالت ساريةً في المغرب.

    بعض المؤرخين المتمكنين يتفقون على هذا التاريخ: إن كتاب تاريخ المغرب الذي أصدره دانيال ريفيه Daniel Rivet عام 2012 يبدأ من عام 787، على الرغم من أن المؤلف يوافق على أن “البداية التقريبية هي القرن السابع”. على العكس من ذلك، في عام 2011 نشرت مجموعة من خمسين مؤرخا مغربيا بقيادة محمد القبلي في الرباط كتابا يحاول إعادة كتابة تاريخ المغرب ويزعم أن هذا التاريخ يبدأ من فترة ما قبل التاريخ وهذا الكتاب لا يعرّف المغرب بصفته كيانا سياسيا مثل ما فعل ريفيه، بل ينطلق من الفضاء الجغرافي الذي يقع ضمنه جزء من تاريخ الأمازيغ، وهم الشعب الأصلي الذي يعود إلى فترة العصر الحجري الحديث وقضية الذاكرة التاريخية والسياسية المتعلقة ببروز الانتماء الأمازيغي قضية حاسمة هنا.

    لكن “المغرب” لم يعرف منذ فترة طويلة بهذا الاسم Maroc، لا في شمال أفريقيا ولا في أوروبا. يأتي هذا المصطلح من التحريف الإسباني لكلمة مراكش، وهي مدينة تأسست في 1062-1071. كما كان من المتداول في أوروبا الحديث عن مملكة فاس. لقد دخلت كلمة ماروك إلى اللغة الفرنسية في القرن السابع عشر، ولكنها انتشرت في القرن العشرين وسنعود لهذا الموضوع في الفصل 23 عندما نتناول السؤال التالي: “هل المغرب عربي أم أمازيغي؟”.

    * ترجمة: العمق المغربي

    يتبع …

  • من قتل السفير؟ الحلقة الثالثة

    من قتل السفير؟ الحلقة الثالثة

    قبل أن نفكر في نشر هذه السلسلة من المقالات التي نشرتها الكاتبة “شامة درشول” على صفحات موقع “البهموت”، كنا من قرائها ودفعنا إعجابنا بمضمونها وأسلوب كتابتها أن نستأذن الكاتبة في إعادة نشرها على صفحات “دايلي بريس المغرب”. وبقدر ما أحرجتنا بتلقائيتها وموافقتها دون أدنى تردد ودون حتى سابق معرفة، توجت رسالتها المقتضبة التي حملت إلينا موافقتها بدعوة جميلة تمنت فيها أن تكون سلسلتها فاتحة خير على موقعنا الفتي، وهذا ما نتمناه أيضا.. مع شكرنا وتقديرنا

    اليوم العاشر من ديسمبر لسنة 2020.. أجلس في المقعد الأمامي لسيارتي.. سائقي الشخصي يقلني إلى المنزل.. ذهني شارد.. لا أتذكر كم الساعة كانت وقتها.. ربما الخامسة مساء.. انعطف السائق يسارا.. يتلقى هاتفي إشعارات على تطبيق واتساب.. كانت رسائل كثيرة.. يبدو أن هناك حدثا ما.. ليس في العادة أن أتوصل بهذا الكم الهائل من الرسائل دفعة واحدة.. فتحت الرسالة الأولى.. وقعت عيني على الخبر الذي جعل ملف الصحراء يتخذ منعطفا جديدا.

    إدارة ترامب تعترف بمغربية الصحراء، أمريكا التي كان المغرب أول من اعترف باستقلالها، ترد الفضل بعد عقود طويلة، لكن هذه المرة لها طلب “إعادة فتح مكتب الاتصال الإسرائيلي بالرباط”…

    لازلت أتوصل برسائل… فتحت إحداها… ”شامة… لقد تحققت نبوءتك.. المغرب يطبع مع إسرائيل”.

    في أكتوبر 2020، كتبت منشورا على حسابي على فيسبوك قلت فيه إن المغرب سيقوم بالتطبيع الرسمي مع إسرائيل، وكتبت أن عليه أن يتفادى التطبيع من بوابة اتفاقية أبراهام، لأن لدينا مؤسسة إمارة المؤمنين تغنينا عن اتفاقية غريبة مثل اتفاقية أبراهام.. كتبت أيضا أن التطبيع عليه أن يتم في عهد حكومة العدالة والتنمية لأن حدوث التطبيع خارج حكومة الإسلاميين محكوم عليه بالفشل، وأضفت أن التطبيع المغربي مع إسرائيل عليه أن يكون مغربيا خالصا، ويبتعد عن التطبيع الإماراتي الذي يوصف بالتطبيع الدافئ والذي تهافتت فيه أبوظبي على تل أبيب كالمريد حين يتهافت على شيخه.

    وصلت إلى المنزل.. الهاتف يرن.. جاكي على الخط…

    شامة: جاكي، كيف حالك؟

    جاكي: خبيبتي، كيف حالك؟

    ديفيد: حبيبتي؟ كيف يناديك حبيبتي بدون أن تغضبي منه؟ أنا كنت أناديك حبيبتي وتغضبين.. لماذا هو؟

    شامة: هو يناديني خبيبتي وليس حبيبتي.. ولا أغضب منه لأنه ببساطة ليس شخصا متحرشا…

    ينظر إلي بعينين مذهولتين، وشفتين شاحبتين، يؤمن أنه بريء وليس متحرشا، يسمي تحرشه بأنه “مجرد ضعف تجاه النساء”، يجهل أنه يعيش حالة إنكار، تلك الحالة التي تصيب المهووسين بالجنس، يحملون قناع الطيبة، واللطف، ويسقط هذا القناع فور إغلاق الباب عليه وعلى امرأة رفقته، فجأة يصبح شخصا آخر لا يمكن وصفه إلا ب”وحش بشري”.  لذلك لم أشعر بالشفقة وهو ينظر إلي نظرة يحاول فيها أن يبدو ضحية، وبريئا من اتهامات التحرش، كل ما عليه فعله أن يتخلص من حالة الإنكار تلك، ويتجه إلى أقرب طبيب ليعالج نفسه من الوحش الذي يسكنه، هذا إن أراد يوما أن يخرج حيا من الجثة التي يقيم فيها.

    أما جاكي، فهو رجل لا يعرف التحرش طريقه إليه… اعتاد أن يناديني “خبيبتي”.. منذ التقيت به في نوفمبر  2016 بتل أبيب..

    في مطعم يعود ليهودي يمني، كان وفد الصحفيين الذي أحضرته في زيارة إلى إسرائيل يتناول عشاءه ضاحكا، إلا أنا، كنت في مزاج سيء، سربت وزارة الخارجية الإسرائيلية اسمي إلى صحافة بلدها، والتقطته حركة حماس، ونشرت تغريدة تحتج فيها على المغرب على عدم منعه لوفد الصحفيين هذا من زيارة إسرائيل. كنا أول وفد صحفي يطأ أرض إسرائيل بدعوة من وزارة الخارجية الإسرائيليةـ اشترطت على الوزارة عدم نشر أسمائنا، وصورنا، لكن حسن كعبية المسؤول عن إعلام وزارة الخارجية الإسرائيلية، والإسرائيلي البدوي المسلم، وعدني ولم يف بوعده. لماذا يقولون إن اليهود فقط من يعدون ولا يفون؟

    التقط الصحفيون المغاربة اسمي وشنوا علي هجوما لن أنساه.. لن أنساه لأن أغلب المهاجمين كانوا من صحفيين جمعتني بهم علاقة جيدة، أو هكذا اعتقدت.. كثيرون منهم قدمت لهم خدمات شتى… كنت وقتها أشرف على تدريب الصحفيين، ولدي علاقات جيدة بعدد من منظمات التدريب في الإعلام الدولية، كانت هذه المنظمات تطرد من مصر والأردن، منذ اندلاع ما عرف بانتفاضات الربيع العربي، كنت أتواصل مع مدرائها لأقنعهم بأن يأتوا إلى المغرب، كان هدفي هو تمكين الصحفيين في المغرب من برامج التدريب في الإعلام التي يحصل عليها أهل المشرق بسهولة بسبب ارتباطهم بالثقافة الإنجليزية، وعلاقتهم بأمريكا، وبريطانيا. كان الصحفيون يتوددون إلي للحصول على فرصة للتدريب داخل أو خارج المغرب، وحين سرب اسمي إلى الصحافة، تحولت فجأة من صديقة إلى مجرد خبر يكسبون من خلالها القراءات واللايكات…

    دخل جاكي إلى المطعم، بدا رجلا متوسط القامة، في منتصف الأربعينات، ملامحه عربية، شعره أسود ناعم، أبيض البشرة، عينان عسليتان، بدا وسيما، وأنيقا، ومختلفا عن الشخصيات التي التقينا بها خلال مقامنا بين القدس وتل أبيب. كانت ملامحهم أوروبية، وكان أغلبهم من اليهود الأشكناز، يهود أوروبا، لكن جاكي شعرت به مألوفا، سمعته يتحدث العربية، صحيح أنها عربية متكسرة، لكنها عربية. قدم نفسه أنه إسرائيلي يهودي من أصل عراقي، كان يتحدث إلى الجميع، وكنت شاردة، ومستاءة، وغاضبة.

    أنت شاما؟ لقد سمعت عنك كثيرا…

    وجه جاكي إلي الحديث… كان يجلس قبالتي، يضع ذراعه فوق المائدة الخشبية التي وضع عليها النادل كل أصناف الأطباق الشامية.. حمص.. بابا غنوج.. كبة.. عصير ليمون بالنعناع.. ورق عنب… ورغم عشقي للمطبخ الشامي إلا أني ليلتها لم أقرب أي شيء…

    أجبته بنبرة متعالية: نعم، أنا هي.. وصمت..

    وربما صمتي زاد فضول جاكي ليعرف عني المزيد… سألني مرة أخرى: ”أخبروني انك رئيسة الوفد..”

    أجبته مرة أخرى باقتضاب: ”نعم.. أنا هي”.

    ويبدو أن جاكي أيضا شخص صبور.. سألني مرة أخرى:”سمعت أنك تتعرضين لهجوم شنيع بسبب تواجدك هنا…”

    هذه المرة أجبته بإشارة من عيني، لم أقو على الكلام، كنت غاضبة بشدة، فوجدها حسن كعبيه فرصته ليحتمي بجاكي، ويحاول تبديد غضبي منه، فقال لي: ”هذا جاكي خوجي.. محلل الشؤون العربية في إذاعة الجيش الإسرائيلي”.

    قفزت لحظتها من مكاني وأنا أقول: ”لاااااا صافي انت لي بقتي لي فلحساب.. بقى لي غير الجيش حتى هو..”.

    ابتسم جاكي ورد بصوت هادئ: ”خبيبتي اهدئي.. أنا لست أشتغل في الجيش.. إذاعة الجيش هي تراقب الجيش وتراقب الحكومة، نحن إذاعة علمانية، همنا المحافظة على الديمقراطية.. نحن أكثر من ينتقد نتنياهو، وهو يريد إقفال الإذاعة بأي شكل لأننا ننزعجه.. أنا لدي علاقات جيدة بمحمود عباس، وبعدد من الفلسطينيين، وأيضا بكثير من المصريين.. نحن الصوت الإسرائيلي الذي يدعو إلى حل الدولتين ونؤمن أنه الحل الأسلم لكلينا”.

    منذ ذلك الوقت أصبحت وجاكي صديقين.. لكن في أبريل 2020 سيحدث ما سيجعل جاكي يثق بي ثقة كبيرة، لكن دعني أولا يا ديفيد أعود إلى اتصال جاكي بي مساء العاشر من ديسمبر  لسنة 2020.

    ديفيد: آه.. تقصدين نعم، حين ناداك حبيبتي ولم تغضبي منه…

    نعم هو ذاك..

    اتصل بي جاكي ليلتها، وسألني:

    شامة؟ ما رأيك فيما حدث؟ هذه خطوة مهمة لبلدينا أليس كذلك؟

    نعم، لكني أنا قلقة من أمر..

    تفضلي.. احكي..

    هل لديك فكرة عن السفير الذي ستبعثونه؟

    لا، ليس بعد، لكني سأعرف، ما أعرفه الآن أنهم سيرسلون مبعوثا مؤقتا لإدارة المكتب إلى حين رفع التمثيلية الدبلوماسية إلى مستوى سفارة بين البلدين وبعدها سيتم تعيين سفير..

    إلى ذاك الوقت، أنا لدي تخوف من أن يتم إرسال دبلوماسي مغربي

    لماذا أنت متخوفة؟ أليس هذا جيدا؟

    لا… ليس جيدا… لا يجب نهائيا إرسال دبلوماسي إسرائيلي من أصول مغربية..

    يصمت قليلا وكأنه يفكر، ثم يقول:

    ممكن تحكيلي ليش انتي ما بدك واحد مغربي؟

    اسمع يا جاكي.. بعث دبلوماسي إسرائيلي من أصل مغربي يعني هذا أن المغرب سيطبع مع اليهود المغاربة في إسرائيل، وليس مع إسرائيل، هذا ليس في صالح بلدي، سيظل المغرب محصورا في نوستالجيا اليهود المغاربة، ومحمد الخامس، وتاريخ الثلاثة آلاف سنة من تواجد اليهود بيننا، قبل أن يغادرونا إلى أرض الميعاد، وكندا، وفرنسا، وأمريكا، الإسرائيليون المغاربة سوف يتاجرون بالعلاقات المغربية الإسرائيلية لمصلحتهم الخاصة، والمغرب عليه ألا يقع في هذا الفخ، لأنه هذه المرة الإعلان الثلاثي مرتبط بملف جد حساس للمغاربة دولة وشعبا وهو ملف الصحراء، بمعنى أنه لا يجب أن نسمح نهائيا للمتاجرة فيه على المستوى الإسرائيلي، وابتعاث إسرائيلي مغربي معناه أن المغرب سيظل حبيس النظرة العاطفية لليهود، ولن يكون حذرا، لذلك على المغرب بما أنه اختار التطبيع مع إسرائيل، عليه التطبيع مع إسرائيل بمختلف أجناسها، وإثنياتها، وأطيافها، وهو ما سيساعد في تأسيس علاقة واقعية وعقلانية بين البلدين مبنية على الزمن الحاضر، وليس على النوستالجيا.

    فهمت… وأتفق معك.. يعني سفير إسرائيلي من أي أصول إلا الأصل المغربي، يعني حتى لو كان إسرائيليا عربيا؟

    لا.. يجب أن يكون من أصول إشكنازية أوروبية..

    إشكنازي؟ لماذا؟

    إشكنازي لأنهم هم من أسسوا لإسرائيل، وأريد بلدي المغرب أن يعرف إسرائيل الحقيقية كما أسسها اللاجئون الهاربون من أوروبا، وليس المهاجرون من يهود المشرق والمغرب الذين اختاروا الهجرة إلى إسرائيل.. على المغرب أن يكتشف إسرائيل على حقيقتها، وحقيقتها بيد اليهود الإشكناز المؤسسين فقط.

    نعم.. فهمتك.. وأنا متفق معك تماما..

    يصمت جاكي قليلا ثم يقول:

    اسمعي.. أقترح عليك أمرا.. أكتبي مقالا في هذا الصدد.. قولي فيه أن على إسرائيل ألا ترسل مبعوثا من أصل مغربي، ولماذا عليها أن ترسل مبعوثا من أصول إشكنازية.. وأنا من جهتي سوف أنحو نفس المنحى على إذاعة الجيش، وأيضا على عمودي في صحيفة معاريف.. اتفقنا؟

    اتفقنا…

    ديفيد: آاااه.. فهمت الآن… لهذا تم اختياري.. يعني تقصدين أن ليلة مقتلي بدأت في العاشر من ديسمبر 2020.

    ربما.. لا أعرف.. لكن هذا ما أعرفه.. أن اختيارك أنت كمبعوث دبلوماسي من أصول أوروبية إشكنازية، ولا أصول لك عربية ولا مغربية، لم يكن بالصدفة… لم يكن نهائيا صدفة…

    يتبع..

  • المملكة بعيون مؤرخ فرنسي.. ترجمة لكتاب “مملكة التناقضات.. المغرب في مئة سؤال”

    المملكة بعيون مؤرخ فرنسي.. ترجمة لكتاب “مملكة التناقضات.. المغرب في مئة سؤال”

    تشرع “دايلي بريس المغرب”، ابتداء من يومه الجمعة، في نشر سلسلة جديدة، وهي عبارة عن ترجمة حصرية لكتاب “مملكة التناقضات.. المغرب في مئة سؤال”* الذي قام بتأليفه المؤرخ الفرنسي الشهير بيير فيرمورين، قامت بترجمته جريدة “العمق المغربي” ونشرته على موقعها الإلكتروني على حلقات. ونحن إذ نعيد نشره على صفحات “دايلي بريس المغرب”، بعد استئذان إدارة نشر جريدة “العمق” وحصولنا على موافقتها الشفاهية لإعادة النشر، فلأهمية الكتاب ورغبتنا في المساهمة في انتشار مضمونه وفحواه. ولمن يرغب في قراءة السلسلة من مصدرها فسيجد أسفل كل مقال رابط المقال الأصلي بالضغط على جملة: “ترجمة العمق المغربي”.

    يتكون الكتاب من مقدمة، ستكون أولى حلقات هذه السلسلة، بالإضافة إلى ثمانية أقسام، الأول تحت عنوان: “التاريخ.. مملكة ذات شرعية” ويشمل 14 فصلا، والثاني تحت عنوان: “الجغرافيا.. صلة الوصل بين فضاءين كبيرين” ويشمل 8 فصول.

    أما القسم الثالث فهو تحت عنوان: “المجتمع .. رصيد من التراكمات”، ويشمل 15 فصلا، في حين تمت عنونة القسم الرابع بـ “الديانة .. قوة إسلامية واعية بدورها”، ويشمل 10 فصول، أما القسم الخامس فقد جاء تحت عنوان: “السياسة .. تحت قيادة أمير المؤمنين”، ويشمل 15 فصلا.

    القسم السادس، والمكون من 12 فصلا فقد جاء تحت عنوان: “الاقتصاد .. من الحمار إلى القطار فائق السرعة”، في حين اهتم القسم السابع المكون من 12 فصلا أيضا بالثقافة، بينما تم تخصيص القسم الثامن والأخير لمسألة العلاقة الدولية للمغرب، حيث “كل شيء من أجل الصحراء”.

    وتكمن أهمية الكتابة في أنه يقدم نظرة حول المغرب بعيون مؤرخ فرنسي، حاول قدر الإمكان، أن يكون محايدا في قراءته لتاريخ المغرب، كما أن الكتاب سيكون وثيقة مهمة للباحثين المغاربة وغيرهم من أجل معرفة الشيء الكثير عن المغرب، الذي قال المؤلف إنه “مملكة التناقضات”.

    الحلقة الأولى: مقدمة

    يرى المغرب نفسه ويحلم بأن يكون بلداً استثنائياً. وأن علاقته طيبة مع جميع دول العالم، باستثناء الجزائر وإيران. وهو مقتنع بأنه أكثر البلدان العربية والأفريقية قربا من أوروبا وتأثرا بها. أليس هو المستفيد الأول من المساعدات العمومية الأوروبية وبكثير من الاهتمام من طرف الأوروبيين؟

    كما أنه يعتبر نفسه الأكثر انتماء للقارة الإفريقية والأكثر إبرازا لإرثه الأمازيغي. وأخيراً يحلم بأن يكون قوة إسلامية عظمى، يقودها أكبر زعيم سياسي مسلم. ومع هذه اليقينيات التي تُروج لها السلطة، فإن المغاربة لديهم وعي وطني قوي.

    هذه المملكة هي دولة وطنية عظيمة يبلغ عدد سكانها حوالي 36 مليون نسمة. والتي ما فتئت تمر من العواصف السياسية و الاجتماعية القوية منذ مجيء الملك محمد السادس. قبل أكثر من عشرين عاماً بقليل في صيف عام 1999.

    إنه بلد متشبث بإفريقيته ومقتنع بهذا الانتماء و هو عربي أمازيغي وأيضا بلد متوسطي لا يبعد عن القارة الأوروبية إلا بأربعة عشر كيلومترا. وهو يعيش بشكل مكثف هذه التناقضات والتحديات والآمال التي تتقاسمها معه البلدان المغاربية والإفريقية والمتوسطية.

    في العديد من النقاط ليس المغرب بلدا استثنائيا كما ترغب السلطات الفرنسية والمغربية أن تردد. وعلى الرغم من أنه بلاد مستقرة للغاية، لأن نظامه السياسي، الذي عززته الحلقة الاستعمارية القصيرة، يعود إلى العصور الوسطى. إلا أنه لا يفلت من القيود المناخية، أو التوترات الثورية والإسلاموية، أو البطالة الجماعية، أو المآزق الاقتصادات المتوسطية. إن التحديات في بداية القرن الحادي والعشرين ليست محلية فحسب، بل دولية أيضاً.

    فالمغاربة، على الرغم من أنهم عاشوا طويلاً في عزلة عن العالم وفي جبالهم، يعيشون الآن في بلد مفتوح مُعولم. وسيكون من الخطأ الاعتقاد بأن العولمة تشمل فقط بلدان الشمال: فهذه العملية تؤثر بشكل مباشر على بلدان الجنوب، والمملكة المغربية نموذج لذلك أكثر من غيرها.

    ويضطر المغاربة إلى الرجوع إلى علاقاتهم الاجتماعية والدينية والثقافية لإيجاد إجابات للضغوط الخارجية. إن خطر التفكك لا يرحم هذا المجتمع الذي يجمعه تاريخ طويل وجغرافيا أطلسية وجبلية ومتوسطية فضلا عن البناء التاريخي الطويل لشعب ولجهازه الحكومي المنظم للغاية.

    المغرب ليس بلداً جديداً، على الرغم من أن الشكل الحالي لدولته الوطنية يعود إلى عام 1956. إنه إمبراطورية إسلامية قديمة متعددة الثقافات ومتعددة الأعراق وتغتني بتعددها وقد مرت بالفترة الاستعمارية بطريقة مرنة، واليوم تبني قومية طموحة وهويتها لا تطرح لها أية مشكلة.

    عند الاستقلال في عام 1956، بعد الحماية الفرنسية، اعتبر المغرب نفسه كأمة مركزية وموحدة، في انسجام مع أيديولوجية القومية العربية الإسلامية السائدة آنذاك في البلدان الأخرى من شمال أفريقيا والشرق الأوسط. ولكن بعد التحرر من هذا التحيز الإيديولوجي، عاد المغرب في عهد محمد السادس لاكتشاف تعدديته الثقافية والمساهمات المتعددة التي بنت قاعدته الوطنية.

    ويتفق المغاربة عموماً مع هذه التعددية التي تعتمد على روافد بربرية وعربية ويهودية وإسلامية وأفريقية دون إغفال التجذر المتوسطي والعلاقة باللغتين الإسبانية والفرنسية على حد سواء. ومع ذلك، فإن أقلية مسيّسة من الاتجاهات الأصولية الإسلامية تتجاهل هذا التعقيد وتختزل البلاد في هويتها العربية الإسلامية لأنهم لا يعرفون إلا الانتماء للأمة ولذلك ليس هناك من استثناء سوى الموقع الجغرافي الذي أصبح المغرب بفضله يسمى “المغرب الأقصى”.

    وفي مواجهة هذه الحرب الثقافية المستمرة منذ عقود والتي شنها المتشددون الإسلاميون، والتي حولت المجتمع بالفعل بشكل عميق، فإن النظام الملكي الذي يتمتع بمكانة مرموقة لإمارة المؤمنين، يشن صراعاً ثقافياً ودينياً حقيقيا – حظي بمساندة النخب الضيقة، من أجل الحفاظ على التعددية والتنوع، ومقاومة الرياح التي تهب من الشرق الأوسط عبر وسائل الإعلام السلفية في الخليج. ويتمثل هذا النضال في تخليص البلاد من الخناق الثقافي العربي وإفساح المجال أمام الثقافات واللغات البربرية والأفريقية والأوروبية.

    وبالإضافة إلى الحاجة إلى استعادة تنوع الإسلام المغربي بقيادة أمير المؤمنين، هناك أيضاً ضرورة لمقاومة الضغوط التدخلية التي تمارسها التيارات والقوى الأصولية، والكفاح بلا هوادة من أجل الحد الأدنى من الحرية الدينية، وهي ليست أمرا سهلا في مجتمع يعاني من المحافظة الدينية.

    خاصة وأن الإرهاب، الذي طالما كان يعتبر مقتصرا على بلدان أخرى، مس في نهاية المطاف هذا المجتمع في عام 2003، الأمر الذي يفرض يقظة مستمرة على الدولة، ويدفع إلى خطر انتهاك الحقوق الأساسية. ومن الضروري أيضا إبقاء البلد مفتوحا أمام المساهمات الثقافية الدولية والسياحة والوسائط الإلكترونية، من أجل الحفاظ على صلات سليمة مع العالم الخارجي. إن المدرسة والتعليم العالي لديهم دور استراتيجي في هذا الصدد لا يتم استغلاله كما ينبغي في الواقع.

    وأساسا، يجب تعبئة وإصلاح المجال الثقافي والاقتصادي والديني برمته في الاتجاه الذي تريده السلطات. المجموعة الأخرى من التحديات الرئيسية هي الحفاظ على مسار الاستقرار والنمو الاقتصادي في فترة مضطربة بشكل خاص على مدى العقدين الماضيين، من الهجمات التي وقعت في نيويورك في عام 2001 – والتي ضربت المملكة كثيراً والتي أدرك القصر على الفور موجتها الصادمة – إلى الأزمة المالية الدولية لعام 2008، ومتغيرات الربيع العربي في عام 2011 إلى الحراك الجزائري في عام 2019.

    ومع ذلك، وعلى الرغم من أن المغرب ليس لديه نفط، أو بالأحرى أنه لا يملك مورداً واحداً للتصدير، فإن البلد مضطر في كل الحالات إلى الانفتاح على المنافسة الدولية والكفاح بأسلحته مع الأطراف الفاعلة في الاقتصاد العالمي: فهو يستخدم موارده الرسمية وغير الرسمية، الشرعية منها وغير الشرعية للقيام بذلك. وجاليته التي تقدر بالملايين وكذلك قوته الناعمة الدينية ورصيده التاريخي والجيوستراتيجي.

    وتعمل الآلة السياسية والاقتصادية برمتها، في هذه الأوقات العصيبة، على تغذية الموارد، وإطعام الناس يوميا، ودفع أجور الموظفين، ومحاولة خلق فرص الشغل وربح حصص السوق. في زمن العولمة الليبرالية، وتحت أنظار المؤسسات المالية الدولية، فإن هذه المهمة بالغة الصعوبة.

    وفي هذا السياق، يبقى السؤال السياسي: بعيدا عن كونه متغيرا للتكيف، فإنه مطروح على أساس يومي، ولفترة طويلة. إن المغرب ليس ديمقراطية بل يطمح لأن يصبح كذلكً. إن الملك لديه تقريباً كل السلطات لكن محمد السادس لا يملك شغف السلطة الذي كان عند والده والمغاربة عموما شعب محافظ، ومع ذلك فإن التطلعات لمشاركة المواطنين ومظاهر الاحتجاج على التعسف والشطط قوية جدا.

    إنها ملكية برلمانية تعددية، ولكن الأحزاب السياسية تبدو منهكة وغير تمثيلية. فقد قامت السلطة على عجل بإصلاح دستورها في عام 2011 للنجاة من عواصف الربيع العربي، ولكن يبدو أن ميزان القوى لم يتغير. وأخيراً، تم تدشين عهد محمد السادس بصحافة لم تكن أبداً حرة إلى ذلك الحد، وهي فترة انتهت حقا منذ عام 2010.

    وفي مواجهة هذه التحديات، أثارت الموجات السياسية والتطلعات الديمقراطية السنوات العشر الماضية من “حركة 20 فبراير” في عام 2011 إلى الحراكين، في الريف المغربي في عام 2017 والجزائري في عام 2019. لم يعد بإمكان المغرب أن يتذرع بالأزمة الصحراوية كما في عهد الحسن الثاني لإسكات كل هذه المطالب باسم “الإجماع المقدس من أجل الصحراء”. وإذا ما استنفذ في أزمة الصحراء الغربية التي استمرت أربعين عاما،ً كل قواه الدبلوماسية، فإن الآثار الداخلية لهذه القضية قد استُنفذت.

    كل شيء تغير منذ نهاية القرن العشرين، الآن بعد أن أصبح المغاربة بالملايين على الشبكات الاجتماعية أو يستمعون إلى نبض الجالية وأوروبا والعالم العربي، من خلال التلفزيون والإنترنت. هل تغيرت طبيعة الحكامة؟

    في بداية عهده، اقترح محمد السادس ومستشاروه من جيل الشباب مملكة مجددة وأكثر حرية، وحكماً جديداً وعقداً اجتماعياً أعيد بناؤه. لابد من الاعتراف أن هذه الوعود ظلت حبرا على ورق وأنه على الرغم من أن المغرب في عام 2020 قد تغير كثيراً بعد هذه السنوات العشرين من الحكم، إلا أن قواعد الحكم المخزني والاستبداد لم تتغير كثيراً. هل كان على كل شيء أن يتغير حتى لا يتغير شيء؟

    إن سنة الانتخابات الغنية 2021، التي ستجري خلالها كل الاستحقاقات الانتخابية الدستورية في المغرب – هل هي الصدفة؟ – ستخبرنا ما إذا كانت هذه السفينة الكبيرة ستغير مسارها أم ستحافظ على نفس التوجهات الأصليّة.

    * ترجمة: العمق المغربي

    يتبع …

  • من قتل السفير؟ الحلقة الثانية

    من قتل السفير؟ الحلقة الثانية

    قبل أن نفكر في نشر هذه السلسلة من المقالات التي نشرتها الكاتبة “شامة درشول” على صفحات موقع “البهموت”، كنا من قرائها ودفعنا إعجابنا بمضمونها وأسلوب كتابتها أن نستأذن الكاتبة في إعادة نشرها على صفحات “دايلي بريس المغرب”. وبقدر ما أحرجتنا بتلقائيتها وموافقتها دون أدنى تردد ودون حتى سابق معرفة، توجت رسالتها المقتضبة التي حملت إلينا موافقتها بدعوة جميلة تمنت فيها أن تكون سلسلتها فاتحة خير على موقعنا الفتي، وهذا ما نتمناه أيضا.. مع شكرنا وتقديرنا

    ديفيد…؟

    نعم..؟

    كيف تعرفت علي؟

    صديقي جاكي محلل الشؤون العربية في إذاعة الجيش الإسرائيلي، اتصل بي وقال لي أنصحك أن تتواصل مع السيدة شامة درشول فور الوصول إلى المغرب، ستساعدك كثيرا.

    لكن لماذا ادعيت أنني جاسوسة، وأن المغرب من “زرعني في مكتبك؟” أليس من اتصل بك صديقك، وإسرائيلي، وفي الجيش؟

    صمت مطبق…

    حسنا… ألم تسأل نفسك يوما كيف تعرف علي جاكي؟ كيف لمغربية أن تكون لها علاقة بشخص في إذاعة الجيش الإسرائيلي؟

    صمت مطبق….

    حسنا… يبدو لي جليا أنك تريد أن تسمع الحكاية من أولها.. لكن قبلها أريد أن أعرف: ”لماذا بعثت اسمي إلى وزارة الخارجية الإسرائلية وطلبت منهم أن يضعوه في اللائحة السوداء بتهمة أني معادية للسامية؟ ولماذا فعلت هذا فور أن بدأت الكشف عن موقف إسرائيل من مغربية الصحراء، وبدأت أكتب عن أن علينا أن نتساءل أولا عن حجم تواجد البوليساريو في إسرائيل إن أردنا أن نعرف سر تلاعب إسرائيل مع المغرب في ملف الصحراء؟”

    صراحة.. حاولت أن أضغط عليك بشتى الوسائل لكي تخرسي، وتكفي عن مضايقتي بما تكتبينه، لقد استطعت تأسيس شبكة علاقات جيدة وواسعة هنا في المغرب، لكنك كنت تدمرين كل ما أبنيه، وأنت أثرت موضوعا لم يكن أحد مهتما به، وهو أنه في الإعلان الثلاثي أمريكا من تعترف بمغربية الصحراء، وأن إسرائيل لا علاقة لها بهذا الاعتراف، الصراحة نحن لم نرد إغضاب الجزائر، تعرفين أن لدينا علاقات غير رسمية معها، ولا نريد إزعاجها، لكن أنت كشفت كل ما أخبرتك به، وأخرجته للعلن، وكان علي إخراسك بأي شكل..

    حتى بالادعاء كذبا أني كنت على علاقة غرامية معك ونشر هذا بين الصحفيين المغاربة المقربين من مكتبك ودفعهم إلى التهجم علي في صفحاتهم الفيسبوكية؟

    ….لقد خشيت… لقد خشيت…

    خشيت أن أكشف عن فضائحك وضعفك أمام النساء كما تسمي أنت التحرش؟

    نعم… خشيت هذا.. جربنا كل الوسائل.. لقد شكوناك إلى وزير الخارجية ناصر بوريطة، وشكوناك إلى مدير مكتب الاتصال المغربي في إسرائيل عبد الرحيم بيوض، وجعلت مكتبي يتواصل مع رئيس الجالية اليهودية المغربية بأمريكا “شارل دحان” ليتحدث إليك، ويقنعك بالتوقف، وأرسل صديقا مقربا لك لكنك رفضت الصمت، وأصريت على الاستمرار في قتلي… قتلي؟ نعم… أنت من قتلني.. لا يعقل؟ كيف تكونين أنت من قتلني وأنت من سيخبرني بمن قتلني..؟؟؟؟

    ديفيد؟ لقد أخبرتك منذ البداية أن عملية قتلك بدأت قبل أن تطأ أرض المغرب، هي قصة طويلة، لكني سأبدأ بالقصة القصيرة، وقبلها أريد أن أسألك مرة أخرى… هل تعرف كيف التقينا أنا وجاكي؟ وأريد أن أسألك سؤالا آخر: ”هل تساءلت يوما لماذا جاكي يثق بي؟”.

    لقد تساءلت فعلا، لكني لم أجد جوابا، أذكر فقط أن جاكي اتصل بي يوم اختلفنا على تغريدة العثماني وكتبت في صفحتك على فيسبوك “أن المغرب سيرد على تغريدتي بفتح سفارة إيرانية هنا”، لقد أغضبني تعليقك، ولم أفهم لم جاكي لم يغضب مثلي، بل لماذا اتصل بي وطلب مني أن أعتذر منك وحين قلت له ليس الآن أنا غاضب جدا منها، أجابني: ”قد تصلح أمورك مع العثماني لكن إن لم تصلح مع شامة سوف تسبب لك المشاكل”.

    هذا هو الخطأ الذي ارتكبته، أنك اعتبرته أمرا شخصيا، ولم تنتبه أن إرسالك إلى المغرب لم يكن للنزهة كما اعتقدت، ولا كان البلد الذي تنتقم فيه من مصر، لذلك سأبدأ بالقصة القصيرة، وبعدها سأخبرك كيف انطقلت عملية قتلك، ولماذا؟ يبدو أنك يا ديفيد ستكون أنت أول جثة تستيقظ من موتها لتبحث مع المحقق عن قاتلها ههههههه…. قد تكتشف أنك أنت من ارتكبت الجريمة في حق نفسك، وقد يكون المغاربة قتلوك يوم قالوا لك “الدار دارك”، وقد يكون المخزن من قتلك يوم قابل كل أخطائك بالصمت، واعتقدت أنهم عاجزون عن فعل أي شيء لإيقافك، ولم تنتبه أنهم تركوا لك مجال الخطأ ليوظفوا أخطاءك فيما بعد وفيما يخدم مصلحة بلدنا.. أتذكر يوم نبهتك أن تغريدتك ضد العثماني لن تمر مرور الكرام بماذا أجبتني؟

    نعم أذكر.. أذكر جيدا… ويا لي من غبي

    قلت لي بالحرف: ”سوف أفعل أكثر من هذا”.

    نعم قلتها… لقد قالوا لي إن اليهود في المغرب لهم نفوذ كبير، واعتبرت نفسي محميا، أنا إسرائيلي، أنا سفير، أنا لدي حصانة، أنا قوي، لقد قالوا لي الدار دارك، أنا في داري، أنا يمكنني أن أقول ما أريد، ويمكنني أن أهاجم من أريد، ومتى أريد..

    وهذا ما فعلته.. عينت نفسك سفيرا دون أي احترام للمواثيق الدولية، ولا للبلد الذي استضافك، ودون حتى أن تقول إن اسمك في بيان وزارة الخارجية الإسرائيلية وصفك ب”مدير البعثة الدبلوماسية” بدل مدير مكتب الاتصال، وأنت غردت كذبا وقلت إنك عينت سفيرا في المغرب، وتعرف جيدا أنك لتعين سفيرا عليك تقديم أوراق اعتمادك أولا، وفي حالتك لا يمكن، لأن المغرب لم يرفع بعد التمثيلية الدبلوماسية إلى مرتبة السفارة، وأنه يربط السفارة بالعودة إلى المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين… هل تذكر كل هذا؟

    نعم أتذكر…

    هل تذكر أيضا أنك لم تتوقف هنا، وأن ما فعلته هو إهانة مقصودة للملك، وللدولة المغربية، ولشعب هذا البلد… بل إنك أياما بعد تغريدتك هاته خرجت في حوار صحفي مع الوكالة الإسبانية وقلت “إن المغرب عليه أن يعود إلى المفاوضات” اعتقادا منك أنك ترد على إصراره على عودة إسرائيل للمفاوضات مع الفلسطينيين؟؟؟؟؟؟؟

    كنت أحاول فقط أن أضغط لأن الأمور في المغرب كانت تمشي ببطء شديد وفجأة توقفت ولم تعد تمشي نهائيا.. حاولت جس النبض… وإغضابهم، ليردوا علينا ومن ردهم نعرف ما يخططون له…

    ولم تجد غير ملف الصحراء لتجس به نبض الدولة والشعب في المغرب؟

    يا لك من جثة غبية!!!

    يتبع…

    شامة درشول: مديرة MCA للتحليل والتخطيط الاستيراتيجي، باحثة في الإعلام القوة الناعمة والخدمات العسكرية غير المسلحة، خبيرة في الشؤون الإسرائيلية، محاضرة دولية في قضايا الإعلام، ضيفة على قنوات دولية لتحليل الخطاب الإعلامي والسياسي في المنطقة العربية.

  • من قتل السفير؟ الحلقة الأولى

    من قتل السفير؟ الحلقة الأولى

    قبل أن نفكر في نشر هذه السلسلة من المقالات التي نشرتها الكاتبة “شامة درشول” على صفحات موقع “البهموت”، كنا من قرائها ودفعنا إعجابنا بمضمونها وأسلوب كتابتها أن نستأذن الكاتبة في إعادة نشرها على صفحات “دايلي بريس المغرب”. وبقدر ما أحرجتنا بتلقائيتها وموافقتها دون أدنى تردد ودون حتى سابق معرفة، توجت رسالتها المقتضبة التي حملت إلينا موافقتها بدعوة جميلة تمنت فيها أن تكون سلسلتها فاتحة خير على موقعنا الفتي، وهذا ما نتمناه أيضا.. مع شكرنا وتقديرنا

    حل بالمغرب خجولا، لطيفا، مرتبكا، متفائلا. استقبلوه ب”الدار دارك”، فزاد ارتباكه، وبدأت شهيته تتفتح. اشتغل الرجل مسؤولا إداريا عن الأردن، وسفيرا في مصر، ولم يسبق أن رحب به وقالوا له إن هذا الوطن هو بيته. عاملوه كضيف ثقيل، فرضته اتفاقية السلام البارد بعد حرب 73.

    قاطعته الصحافة، منع من الحديث إلى النخبة، حرم عليه التقرب من مفاتيح المجتمع المصري، الفن، والثقافة، والصحافة، والسياسة. فرضت عليه الدولة المصرية الحصار، لا تواصل إلا مع وزارة خارجيتها، وبعض من المسؤولين الأمنيين، بل حتى إنه احتج على عدم دعوة وزير الخارجية المصري له في اجتماع دعا فيه السفراء الأجانب في مصر. بعث للوزير رسالة احتجاج من منزله في القدس، فقام الوزير بنشر الرسالة في الصحافة، فزاد غضبه. أهذه هي مصر التي درس بها، وعنها، وعشقها؟ حتى انه حين حل بأرضها سفيرا خرج في فيديو يخاطب المصريين، ويتودد إليهم بالادعاء أنه يحب روح الفكاهة المصرية، وأنه عاشق لعادل إمام، ومع ذلك لم يفتحوا له قلوبهم، بل حتى حين استجمع قواه ونزل من منزله إلى الشارع متجها مع حراسه الشخصيين إلى معرض القاهرة للكتاب، اعتقد أنه سيفرض على مصر أن تستقبله بنفس الترحاب الذي تستقبل به السفراء على أرضها، لكنه فوجئ برجال الأمن يطردونه من المعرض، ويخبرونه أنهم لن يستطيعوا تأمين سلامته الجسدية من غضب المصريين، فرجع منكسرا، يجر شعور الخزي والعار والنبذ.

    لكنه هنا في بلد المغرب، حيث لا يجب أن تستغرب، قابلوه بالترحاب، والابتسام، والكرم. قاموا بدعوته إلى منازلهم، أجلسوه على موائدهم، حضروا من أجله الولائم، قدموا له الهدايا، طلبوا أن يلتقطوا معه صورا تذكارية، كاد الرجل أن يفقد عقله من فرط الحب الذي قوبل به، شعر أنها فرصته في أن ينتقم من أم الدنيا على رفضها لحبه، ونبذها له.

    “هنا أنا محبوب، هنا يحبونني، هكذا كان يردد دوما. في المغرب لدي معجبون. انظروا إلى التعليقات على حسابي على تويتر، لا تهتموا للتعليقات المسيئة، أولئك فقط ذباب إلكتروني مأجور، أما المغاربة الحقيقيون فهم يعشقونني، حتى حملة تطهير الأماكن التي زرتها لا تؤثر في إعجاب المغاربة بي، في كل مكان أذهب إليه يطلبون مني أن يلتقطوا صورا معي، بل إنهم يطلبون الطعام من أجلي، ويقسمون بأغلظ الأيمان ألا أدفع ثمن ما ابتلعته. لا أحد يكرمني حتى في وطني. أنا في المغرب لست منبوذا يا مصر.. أنا هنا نجم يا مصر”.

    لكن مهلا…

    “ما الذي حدث؟ ما الذي قلب المغاربة علي فجأة؟ لماذا هم غاضبون مني؟ لماذا يريدون مني الرحيل؟ أين ذهبت ابتسامتهم؟ أين هو ترحابهم؟ ما الذي جعلهم ينقلبون علي؟ هل اتصل بهم أحد من مصر؟ هل هو تحريض من الإسلاميين؟ أم أنهم أتباع جمال عبد الناصر؟ أم أنهم مناهضو التطبيع؟ أين هم أصدقاء إسرائيل في المغرب؟ لماذا تركوني وحيدا بعد أن كانوا ينبطحون أمامي يطلبون ودي؟ ما الذي فعلته حتى لم تعد المغرب داري؟ من قلتني؟”

    مهلا…

    شخص واحد يحمل أجوبة لكل أسئلتي:

    “ألو؟ شامة؟ كيف حالك؟ أنا ديفيد غوفرين، أعرف أنك لا تتحدثين إلي منذ اختلفنا على تغريدتي ضد سعد الدين العثماني، لكن رجاء، أنا أتصل بك فقط لأفهم:”من قتلني؟.

    أنت من صنع نجاحي، أنت من أنتج الفيديو الترويجي لي الذي خاطبت به المغاربة، أنت من ألبسني الجلباب المغربي وقلت لي أن هذا سيكون مفتاحي إلى قلوب المغاربة، أنت من جعل الفيديو يتجاوز المليون مشاهدة، أنت من جعل من كان يقاطعني من نخبة المغرب بمن فيهم النخبة اليهودية تتواصل معي، بل أنت من كان وراء تواصل القائم بالأعمال في السفارة الأمريكية ليمدح خروجي في الفيديو، ألم أخبرك أن السفراء في المغرب يشعرون بالغيرة مني؟ ألم أقل لك أنهم تواصلوا معي ليقولوا لي إنهم يشعرون بالغيرة لأنهم هنا في المغرب منذ فترة ولم يفكروا يوما في مخاطبة المغاربة مرتدين الجلباب؟ ما الذي حدث؟…

    اااه تذكرت…

    أنت من كنت تنبهينني دوما وتقولين ألا أثق بعبارات الترحاب هاته، وأن المغاربة يستقبلونني بكرم فقط من أجل عيون الملك. لكني أنا لم أسئ إلى الملك، أنا كنت دوما لطيفا، وودودا، ومتواضعا، أو هكذا حاولت أن أبدو، وأعتقد أني ممثل جيد، أنت كنت دوما تقولين لي أني تلميذ مجتهد، وممثل جيد، ما الذي جعلهم ينقلبون علي حتى تحولت من سفير ناجح إلى سفير يحمل وصمة عار التحرش والسرقة؟.

    أرجوك شامة، أنت كنت يوما مستشارتي الخاصة، وكنت أنصت لكل كلمة تقولينها لي، أعرف أني أردت التحرر من قبضتك، أعرف أني شعرت أني أريد أن أثبت نفسي بعيدا عن ظلك، لقد كانوا يقولون لي أن لا أحد يهاجمني لأن شامة معي.. لقد تعبت من ظلك الذي رافقني حتى في غيابك… أردت أن أثبت أني أستطيع كتابة التغريدات بنفسي، وأن أتحدث إلى الصحافة بنفسي، أنت من كنت تكتبين أجوبتي للصحفيين، وتختارين مع من أتحدث، ومع من لا أتحدث، بل حتى كنت تختارين لون ربطة العنق.. أردت أن أتحرر من ربطتك، وأن أطير حرا بعيدا عنك، ونجحت، وطرت شهورا بدونك، شعرت بالقوة، بالانتصار، بالثقة، تذكرين يوم قلت لك أني أخاف منك، لم أعد أخاف منك، هناك الكثير من الصحفيين، والصحفيات، الذين يخطبون ودي، ويتوسلون كلمة مني، أستطيع العيش بدونك، وقد عشت شهورا بدونك، وكنت سعيدا مثلما شعرت بالسعادة والمغرب يستقبلني في الوقت الذي نبذتني مصر…

    لكني فجأة وجدت نفسي أسقط أرضا، صحيح أني عدت، لكني عدت بعد تسعة شهور من التغيب، عدت منكسرا، خائفا، أبحث عن ديفيد غوفرين الذي صنعه المغاربة، رفعوه عاليا، ثم أسقطوه أرضا…

    أنا أريد أن أعرف ما الذي جعلهم ينقلبون علي؟

    لم يظل لي سوى أيام معدودة في المغرب، وسأغادره بسجل حافل من الخيبات، سأظل السفير الذي صدق المغاربة، فشعر أن بإمكانه أن يحكم المغرب، وذات صباح وجد نفسه منبوذا، مطرودا، وحين أعيد إلى المغرب، اكتشف أن الدولة المغربية استغلت كل أخطائه التي ارتكبها على أرضها ليساوم إسرائيل، ويفرض عليها شروطه، ويحصل على ما يريده، بدون أن تحصل إسرائيل وطني على شيء، وأنا السبب، أنا السبب في أن المغرب حصل على اعتراف إسرائيل بمغربية الصحراء وبدون شروط، أنا السبب في أن المغرب حصل على الاعتراف وقطع على بلدي إسرائيل كل محاولة للمساومة، وكسب المزيد من الامتيازات، أنا السبب في كل هذا.

    سأغادر وأنا أحمل الأجوبة لكل الأسئلة، إلا سؤالا واحدا، أنت وحدك فقط من تملكين الرد علي… أرجوك، أريد أن أعرف…

    من قتلني؟

    حسنا ديفيد… تريد أن تعرف؟ سأخبرك… لكن عليك أن تعرف أن عملية قتلك بدأت قبل أن تطأ قدماك أرض المغرب، وتذكر جملة كنت دوما أقولها لك وتستخف بها، كنت أقول لك: ”أكثر ما يعجبني فيك يا ديفيد أنك لا تعرف من هاته التي تجلس معك”.

    فلتنصت الآن لما سأخبرك به، لنفسك، وللتاريخ…

    يتبع…

    شامة درشول: مديرة MCA للتحليل والتخطيط الاستيراتيجي، باحثة في الإعلام القوة الناعمة والخدمات العسكرية غير المسلحة، خبيرة في الشؤون الإسرائيلية، محاضرة دولية في قضايا الإعلام، ضيفة على قنوات دولية لتحليل الخطاب الإعلامي والسياسي في المنطقة العربية.