بقلم : حسن بعلوان
تعتبر رواية ” ” Punk Fitnaللمخرج والكاتب المغربي هشام العسري، الصادرة عن دار النشر ” ”Outsiders وثيقة أدبية صادمة تفكك الجسد الاجتماعي وتحولاته بجرأة بالغة، من خلال سردية ديستوبية وسريالية معقدة تمزج بين الفوضى والتمرد السياسيين والجسديين. ويبدأ هذا التشريح الفكري منذ العتبة الأولى للنص عبر العنوان؛ حيث يضعنا الكاتب أمام مواجهة مفهومية عنيفة تجمع بين عالمين متنافرين، هما حركة “البانك” الغربية القائمة على التمرد الرافض للمؤسسات، ومفهوم “الفتنة” في الموروث العربي المرتبط بالانقسام والتمزق الداخلي، ليمهد القارئ لشكل الخراب السردي الذي تتبناه الرواية كحالة تبيان لمجتمع يعيش أوج تفسخه. وتتحرك هذه الأحداث داخل فضاء تخيلي خانق يُدعى “الإنترزون”، وهو مستوحى بشكل جلي من الفضاء التاريخي للمنطقة الدولية بطنجة، حيث تغيب القوانين وتتحول الجغرافيا إلى فخاخ من العشوائية، والتكنولوجيا المشوهة، والأزمات الاقتصادية الخانقة، مما يجعله أشبه بمسرح سوداوي مروع يُحاكي سيناريوهات نهاية العالم.
قصة “نورا”: صراع البقاء والقدسية المدنسة
وفي قلب هذا الجحيم المكاني، تتمحور الحبكة الأساسية حول شخصية “نورا”، وهي امرأة تكتوي بنيران الفجيعة بعد فقدانها لطفل ولد ميتًا، ليتم اختطافها داخل “الإنترزون” وتجد نفسها مرشحة للعب دور غيبي مرعب يتلخص في ولادة “قديس” منوط به إنقاذ الإنسانية بعد نصف قرن ومواجهة غزو كائنات جهنّمية تُدعى “وحوش الماغما”. ومن خلال رحلة نورا، ينقلنا العسري بأسلوبه السينمائي المعتاد إلى عوالم تجمع بين الخيال العلمي الفانتازي، والروحانية المشوهة، والرمزية الحادة، متخذاً من الجسد البشري مرآة للخراب الاجتماعي؛ حيث إن التشوهات والتحولات البيولوجية التي تطرأ على الشخوص ليست إلا انعكاساً حرفياً ومجازياً لتآكل القيم الإنسانية، وتفسخ المؤسسات تحت وطأة التطور المشوه وقمع الأنظمة.
الأسلوب واللغة: موسيقى الجاز الحرة والرسوم التعبيرية
ولصياغة هذا المزيج المشتعل، لا يلتزم العسري بهيكل سردي خطي مريح، بل يكتب بطريقة تحاكي موسيقى “الجاز الحر” المليئة بالتنافر، والسرعة المفاجئة، والارتجال الصادم، مستخدماً لغة فرنسية حادة، شاعرة ومستفزة في آن واحد، تدعمها رسوماته الذاتية المنتشرة بين الصفحات، مما يحول العمل إلى تجربة بصرية هجينة تدمج الرواية المصورة بالعمل الأدبي الصرف. وفي النهاية، لا تبدو ” “PunkFitnaمجرد كتاب يُقرأ للمتعة العابرة، بل هي صرخة سياسية واجتماعية مدوية، وموقف راديكالي اتخذه الكاتب لتسليط الضوء على الفئات الهامشية، والمخاوف المستقبلية من فقدان الهوية الإنسانية في عالم يتجه سريعاً نحو التحلل والانهيار.
امتداد السينما في حبر الروائي.
وفي الختام، تُثبت رواية ” “Punk Fitna أن انتقاله من خلف الكاميرا إلى عوالم الحبر والورق لم يكن قطيعة مع السينما، بل هو امتداد طبيعي وامتداد بصري لأدواته الإخراجية؛ إذ ينجح هشام العسري بسلاسة فائقة في تحويل القلم إلى “عدسة” تلتقط كادرات مشهدية مشحونة بالحركة والتنافر البصري. إن تصور العسري الإبداعي في مجمل أعماله الروائية يعيد صياغة الكتابة النقدية للواقع عبر تدمير القوالب الحكائية الكلاسيكية، مستبدلاً إياها بـ “مونتاج سردي” متقطع وصادم يخلط فيه الفانتازيا بالواقعية السياسية والاجتماعية. وبهذا، يظل العسري مخرجاً حتى وهو يكتب، حيث يغدو النص الروائي لديه مسرحاً مفتوحاً لإدانة العبث البشري، محولاً الكلمات إلى لقطات متلاحقة، تجعل من الكتابة شكلاً آخر من أشكال المقاومة البصرية والجمالية في مواجهة عالم مأزوم.









