السينما المجرية في الستينيات: جيل التمرد وحرية التعبير

0

بقلم  حسن بعلوان

 

شهدت ستينيات القرن العشرين مخاضاً ثقافياً وفنياً استثنائياً في المجر، عُرف باسم “الموجة الجديدة المجرية”. ففي أعقاب أحداث عام 1956 الدامية والتحولات السياسية اللاحقة، حظي السينمائيون بهامش نسبي من الحرية سمح لهم بالابتعاد عن قوالب “الواقعية الاشتراكية” الجامدة التي كانت تفرضها الدولة. وفي هذا المناخ الحركي، تأسست استوديوهات تجريبية رائدة مثل “استوديو بيلا بالاش” (Béla Balázs Stúdió)، والتي أصبحت حاضنة لجيل من المخرجين الذين أرادوا إعادة تعريف الهوية الوطنية ومساءلة التاريخ عبر لغة بصرية حديثة وجريئة. وفي قلب هذا الحراك الفني والسياسي، برز اسم ميكلوش يانتشو ليس فقط كأحد رواد هذا الجيل، بل كظاهرة سينمائية فريدة غيّرت مفاهيم الإخراج على مستوى العالم.

 

لغة بصرية فريدة وتفكيك لآليات السلطة

 

يُعد المخرج الراحل ميكلوش يانتشو (1921–2014) واحداً من أبرز أعمدة السينما المجرية، وأحد أكثر السينمائيين الحداثيين تأثيراً في مسار الفن السابع خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. وقد اكتسب يانتشو شهرة عالمية واسعة بفضل ابتكاره للغة بصرية فريدة من نوعها؛ حيث اتسم أسلوبه السينمائي بالاعتماد على اللقطات التتبعية الطويلة للغاية (Long Takes)، وحركات الكاميرا الانسيابية، فضلاً عن تصميمه الدقيق والحركي (الكوريغرافي) لحشود الممثلين في مواجهة مساحات طبيعية شاسعة ومفتوحة.

وعوضاً عن التركيز على الواقعية النفسية التقليدية للشخصيات، آثر يانتشو استخدام التاريخ، والفلكلور، والطقوس الشعبية كأدوات مجازية ورمزية لتفكيك آليات السلطة، والتحقيق في طبيعة الاستبداد والقمع السياسي؛ وهو النهج الإبداعي الفذ الذي توج بحصوله على جائزة أفضل مخرج في مهرجان كان السينمائي عام 1972.

أربع روائع سينمائية صَنعت المَجد

وتتجلى العبقرية الإخراجية ليانتشو في أربع روائع سينمائية تُشكل حجر الزاوية في مسيرته:

«المُحاصَرون» (The Round-Up – 1965): تدور أحداث الفيلم في معسكر اعتقال كئيب عقب فشل الثورة المجرية عام 1848، حيث يستعرض ببراعة سوداوية كيف توظف السلطة الحاكمة أساليب الحرب النفسية، والعزل، والخيانة لكسر الروح الإنسانية للمقاومين.

«الأحمر والأبيض» (The Red and the White – 1967): يقدم الفيلم نظرة قاسية وانسيابية للحرب الأهلية الروسية عام 1919. ويتجاوز العمل سرديات البطولات التقليدية ليعرض دورة لا تنتهي – وبصيغة شبه رياضية – من الإعدامات والوقوع في الأسر بين القوى المتنازعة.

«صمت وصرخة» (Silence and Cry – 1968): دراما سينمائية متوترة تلتزم بالتقشير البصري (Minimalism)، وتدور أحداثها خلال حقبة “الرعب الأبيض” عام 1919 في المجر، لتسلط الضوء على الأجواء الخانقة للمراقبة اللصيقة ومحاولات النجاة التكتيكية للمطاردين داخل المزارع الريفية.

«مزمور أحمر» (Red Psalm – 1972): العمل الذي توّج التطور الأسلوبي ليانتشو؛ وهو عبارة عن احتفاء شعري وموسيقي يتسم بالرمزية الشديدة لثورة الفلاحين في أواخر القرن التاسع عشر. صُوّر الفيلم كاملاً في أقل من 30 لقطة مستمرة، ليكون بمثابة البيان السينمائي الأسمى لأسلوبه الإخراجي الحركي الشهير عالمياً.

إرث يانتشو: السينما كقصيدة ثورية خالدة

لم يكن ميكلوش يانتشو مجرد مخرج يروي حكايات التاريخ، بل كان فيلسوفاً بصرياً طوّع الكاميرا لتصبح أداة لتحليل الوجدان البشري في مواجهة السلطة. رحل يانتشو تاركاً خلفه مدرسة سينمائية فريدة ألهمت أجيالاً من المخرجين العالميين، وأثبت من خلالها أن السينما يمكنها أن تتجاوز حدود الكلمة المكتوبة لتصبح أشبه بجدارية حركية وقصيدة ثورية عابرة للزمن. ستبقى أفلامه شاهداً حياً على حقبة ذهبية من التجريب، وتذكيراً دائماً بأن الفن الحقيقي هو ذلك الذي يجرؤ على تفكيك قيود الاستبداد وصناعة حريته الخاصة بالصورة والصوت.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد