أهدتنا حقبتا الثمانينيات والتسعينيات روائع سينمائية لا تزال أصداؤها تتردد حتى اليوم، مُشكّلةً ليس فقط المشهد الترفيهي، بل النسيج الثقافي لتلك العقود. أفلام مثل “العودة إلى المستقبل” و”إنديانا جونز” و”ذا غونيز” أصبحت علامات ثقافية بارزة. كانت هذه الأفلام تجارب فريدة، يقدم كل منها شيئًا مميزًا لا يُنسى، سواءً أكانت مغامرات مارتي مكفلاي المثيرة في السفر عبر الزمن، أو مغامرات مجموعة من العلماء في مطاردة الأشباح الخارقة للطبيعة، أو رحلة مجموعة من الأطفال التي لا تُنسى بحثًا عن كنز مفقود. لقد شكّلت هذه الأفلام طفولة جيل كامل، تاركةً بصمةً راسخةً على نظرتنا إلى الصداقة والمغامرة وقوة الخيال.
مع دخولنا التسعينيات، ارتفع سقف التوقعات أكثر فأكثر. أفلام مثل “جوراسيك بارك” و”الأسد الملك” و”تيتانيك” دفعت حدود المؤثرات البصرية وسرد القصص، خالقةً عوالم جديدة بدت وكأنها تنبض بالحياة. الواقعية المذهلة لديناصورات “جوراسيك بارك”، والعمق العاطفي لشخصيات “الأسد الملك” الكرتونية، والرومانسية الملحمية لـ”تيتانيك” أسرت قلوب المشاهدين حول العالم. صحيح أن هذه الأفلام قدمت تقنيات رائدة، لكن ما جعلها مميزة حقًا هو الشعور الجماعي بالترقب والحماس الذي رافق مشاهدتها على الشاشة الكبيرة. متعة عيش هذه القصص في قاعة سينما مكتظة، وسط حماس الجمهور، كانت شعورًا فريدًا من نوعه في تلك الحقبة. كانت مشاهدة الأفلام حدثًا بحد ذاته، تجربة جماعية مليئة بالضحك والفرح والرهبة، وأحيانًا حتى الدموع.
على النقيض من ذلك، نجد أن مشهد السينما اليوم، حيث يطغى هيمنة المؤثرات البصرية والرقمية على جوهر الفيلم وروحه. فبينما قد تكون الصور مذهلة، خالقةً مشهداً باهراً لم يكن يُتصور في الماضي، إلا أنها غالباً ما تفتقر إلى السحر والذكاء والعمق العاطفي الذي جعل أفلام الثمانينيات والتسعينيات أيقونية. في عالمنا المعاصر، حيث تستطيع الصور المولدة بالحاسوب خلق أي شيء تقريباً، ثمة ميلٌ لتفضيل الإبهار السطحي على التواصل الحقيقي. يبدو أن سحر القصة المروية بإتقان، ومتعة الشخصيات المتطورة، والتأثير العاطفي للحظة مؤثرة، تتراجع أمام بريق التكنولوجيا. والنتيجة؟ تجربة سينمائية تبدو أحياناً أكثر انفصالاً، وأقل شخصية. صحيح أن المؤثرات البصرية قادرة على خلق عوالم خلابة، إلا أن جوهر أفلام الثمانينيات والتسعينيات وروحها وبساطة سردها الخالدة لا تزال تحتل مكانة خاصة في قلوبنا.
بقلم/ حسن بعلوان